http://www.arabicmagazine.com/arabic/articleDetails.aspx?Id=5498تكتب رضوى عاشور في روايتها (ثلاثية غرناطة) مأساة الأندلس، وتغدو غرناطة المكان البطل في الرواية، تلك المدينة الأندلسية التي كان سقوطها نهاية حكم المسلمين في الأندلس.
واختيار المدينة هنا له دلالاته العميقة فعدا أن غرناطة كانت لها هذه الأهمية سياسياً وعسكرياً، فقد كانت أيضاً مدينة العلم والمعرفة والعمران، وكل هذه الدلالات تآزرت في صنع حبكة الرواية.
إن هذه الرواية لهي من أفضل الأمثلة على الرواية النهر في الأدب المعاصر، حيث نرى رواية الأجيال التي تتألف من ثلاثة أجزاء:1 -غرناطة 2 -مريمة 3 -الرحيل. حيث تمثل أسرة ممتدة تبدأ بالشيخ الجد (أبو جعفر)، ثم تتحدث عن أحفاده وفروع هذه الأسرة.
تحكي الرواية الظروف المأساوية التي عاشها المسلمون والعرب آنذاك، حيث محاربتهم في رزقهم، ومحاصرة هوياتهم، وإجبارهم على التنازل عنها، وملاحقتهم في طقوسهم وعاداتهم وحتى في نشر الكتب والقراءة والثقافة، حين كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل، قبل أن تنتبه إلى كنوز الأندلس العلمية والفنية وتبدأ بالحفاظ عليها وتخليدها.
فالتاريخ يذكر أن الإسبان خانوا المعاهدة التي كانت بينهم وبين أبي محمد الصغير، وبموجبها تم التنازل عن غرناطة، حيث أجبر المسلمون على ترك دينهم وألزموا بالتنصر، وحرمت اللغة العربية وقراءة القرآن والاغتسال، ومنع اللباس العربي، وأنشئت محاكم التفتيش التي تلاحق المسلمين على هوياتهم بشكل مهين.
إننا في هذه الرواية نقرأ الحديقة الخلفية للتاريخ، فالرواية رغم عظمة موضوعها، وما يستلزمه من استدعاء شخصيات تاريخية بطولية ممتازة، كالخلفاء والأمراء والقواد، إلا أنها لم تجعل هذه الشخصيات شخصياتها الرئيسة.
لقد التفتت الكاتبة إلى الحديقة الخلفية للتاريخ، والأماكن التي لم يذكرها التاريخ، والأحداث الصغيرة التي أهملها التاريخ، وتفاصيل الحياة اليومية، والشخصيات العادية في الأندلس، الشخصيات المهمشة، وجسدت مشاعر الإنسان الأندلسي البسيط: شعوره بالحزن والاغتراب، الضياع والقلق، الحنين للوطن، وأرتنا التفاصيل الصغيرة للإنسان الأندلسي: حياة الأسرة العادية، اللباس والمأكولات والشراب، وتفاصيل الطقوس الأندلسية في المواسم الدينية والأعراس والاحتفالات..
فها نحن نقرأ القلق الذي يسيطر على الناس بعد سقوط غرناطة وترقبهم للآتي: «كان أبو جعفر وهو يخطو في عقده السابع يزداد صمتاً. صمت كثيف يحجب عن عيون أقرب الناس إليه إعصاراً داخلياً. لا ينام أو ينام ساعة أو بعض ساعة. ثم يقعد حتى إذا انفصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود، خرج من البيت...».
كما نرى كيف كان موت أبي جعفر الإنسان العادي الذي كان يقدر العلم والثقافة، حيث يعمل في تغليف الكتب وحمايتها من التلف، إذ يموت لأنه رأى منظر إحراق الكتب: «كان بعض العسكر قد تفرقوا بين الكتب وراحوا يوقدون النار فيها، ثم ينسحبون ركضاً لتلافي اللهب الذي أخذ يمتد أفقياً ويعلو ويتصاعد». يموت أبو جعفر بحسرته أمام هذا المنظر :»كانت ساقاه واهنتين بالكاد تحملانه وكأنه يحمل جذع شجرة ثقيلة لا طاقة لإنسان على حملها. يصعد ثم يتوقف ثم يعود يصعد. تعثرت قدماه وسقط على وجهه...».
كما نشاهد الحسرة والحزن على الشخصيات البسيطة، حين لا تتمكن من ممارسة شعائرها الدينية، حيث اضطر حفيد أم جعفر بعد موتها إلى ممارسة شعائر النصارى: «قامت النساء بما أوصى به حسن، وكن يبكين بصوت واهن ويسكبن الماء الدافئ على الجسد المسجى بلا حراك، وعندما أحضرت مريمة الثوب المطرز واقتربت من الجثمان مالت أم حسن على رأس أم جعفر المبلل بالماء وهمست:
- لا نظن عليك بالكفن.. والله لا نظن!
وعلا نشيجها وانتحبت مريمة، ثم صار النشيج عويلاً ولم ينقطع حتى عندما جاء القس وتمتم بصلواته.. كانت أم حسن ومريمة ونساء الحي يقمن بإعداد الطعام للمعزين وهن يبكين على أم جعفر وعلى الزمن الذي راح حاملاً معه حق العباد في الكفن وصلاة الجنازة».
وتطلعنا الرواية على عذابات المثقفين، حين حوكمت سليمة العالمة القارئة بتهمة السحر: «كانت سليمة تجتهد في تحمل مشقة السير على قدمين متورمتين ملتهبتين من جراء التعذيب، وتحاول أن تتحاشى احتكاك يديها المقيدتين من الرسغ خلف الظهر، بعضهما ببعض أو بثوبها. كانت يداها مازالتا تؤلمان من أثر القبض على قضيب الحديد المحمي».
ونلمس التفاصيل الصغيرة التي تتجسد في صندوق جدة علي (مريمة)، حين يهمان بالرحيل، حيث ألم الذكريات: «رفع علي غطاء الصندوق ففاحت منه رائحة زهر الخزامى، وكان بداخله مصحف أخضر الغلاف، وقنينة بها سائل رقراق كالماء، وحجر وردي، وجلالات مخملية، وأوراق مطوية».
ونسمع أنين المهجرين من غرناطة الذي استحال إلى مواويل حزينة: «ارتفع صوت امرأة بمطلع موَال. خيم الصمت على السامعين توجساً، ولكن الحراس لم يفعلوا شيئاً، تشجعت أخريات وعلت في الفضاء أصوات مفردة يكمل بعضها بعضاً وتتجاوب بمواويل شاكية، ثم سرت عدوى الغناء فصار جماعياً، ولما صار جماعياً تبدل الإيقاع والنغم. صفقوا وتمايلوا وهم في أماكنهم جالسين، وواصلوا الغناء حتى هدهم التعب وناموا». هنا الشخصية الأندلسية المحبة للشعر والغناء، في مفارقة موجعة، إذ تغني في ظروف بالغة الأسى.
ولم تنغمس الرواية في تفاصيل الوجع الأندلسي فقط، بل كان بين الحين والحين ثمة نوافذ تطل على تفاصيل الحياة في الأندلس، وهو وجه آخر للحديقة الخلفية للتاريخ.
فنشهد طقوس الأعراس في زواج سليمة: «وقبل العرس بيومين تحركت ثلاث عربات تجرها البغال.. قاصدة حمام الهنا.. وبجوار النسوة صفت السلال والمناديل المصرورة على المناشف النظيفة والغيارات وأكياس التفريك واللوف والطاسات المكية والصابون وأوان وقوارير أودعت فيها النساء حاجاتهن من الحناء والمسك وزيت اللوز وزيت الزيتون».
ونمشي في أسواق الأندلس: «واصل السير في أزقة القيصرية.. يتطلع إلى مقاطع الرجال وأثواب النساء والمناديل والقلانس والنعال والسبابيط. غادر القيصرية وعاد إلى باحة المسجد الأعظم وظل يمشي حتى وصل إلى باعة المأكولات والحلوى والتين المجفف والجوز واللوز مكدسة في سلال كبيرة...».
ونتذوق تفاصيل الأطعمة الأندلسية: «ولم يفت الجارات إحضار الطبلة والدف ولا إعلان المحبة بصنع فطائر شهية محلاة بالعسل ومحشوة بالجبن والينسون أو بالجوز المطحون، ولا فاتهن حمل شراب الفاكهة اللاتي ركزنه وحلينه وعبأنه في القناني...»
كما نقرأ حكايات الحب الصغيرة: «لقد وقعت في حب الصبية.
-أية صبية؟
-الصبية التي كانت في الموكب ذات الرداء الأبيض...».
إن القارئ لهذه الرواية يطل على الجانب المنسي من التاريخ، ويرى الأناس المنسيين ضحايا الحروب، الذين لم يكن لهم رأي ولا يد في إشعالها ولا في امتدادها، يقرأ عذاباتهم، ويسمع أنينهم.
يقرأ انطباع الإنسان العادي الذي يستيقظ فجأة وقد بيع وطنه، وتوارت هويته، ومسحت لغته، وتغيرت معالم المكان الذي شهد طفولته.
إن هذه الرواية تطلعنا على الجانب الآخر الذي أهمله التاريخ، في خضم روايته للأحداث الكبار، وتخليده لقادة الحروب وزعمائها من الطرفين.
وهذا هو دور الفن الحقيقي، حين يستلهم التاريخ، حيث يضفي الأديب على التاريخ من خياله وعواطفه، وقراءته الخاصة للتاريخ، وتعاطفه مع موضوع الفن الأساسي (الإنسان).
إن هذه الرواية تفتح النوافذ المغلقة، وتطلعنا على الحديقة الخلفية للتاريخ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق