الاثنين، 25 يونيو 2018

للشتاء.. تلويحة شعريَة


للشتاء.. تلويحة شعريَة

للشتاء.. تلويحة شعريَة

2018/02/15
    على حين يجد كثيرٌ من الناس في الشتاء جمالاً استثنائياً، مأخوذين ببرودته التي تخالف ما تعودوا عليه من حر لاهب، وما يصاحبه من أجواء فاتنة، حيث ليالي السمر حول ضوء النار ودفئها.
فإن للشعر العربي المعاصر رؤية أخرى، فمن خلال استقراء لبعض الدواوين الشعرية، وجدتُ أن العلاقة بين الشعراء والشتاء ليست على مايرام. فهم يصورونه في صورة قاتمة كئيبة.
يرى أحمد عبد المعطي حجازي - مثلاً- أن فراغ قلب الإنسان من الحب، يعني سيطرة الشتاء على أزمان قلبه:
ياويله من لم يحب! كل الزمان حول قلبه شتاء
فهو هنا يعلن بكل وضوح أن الشتاء جفاف وألم ووحدة، مقابل الدفء المرتبط بالحب. ويرى فاروق شوشة في الشتاء معادلاً موضوعياً لعذابات العمر الحزين، وربما استمدُ هذه الرؤية من طول لياليه:
يأتينا اليوم على استحياء.. أطول من كل عذابات العمر المحزون
أثقل من عبء التذكار ومن قاع الذكرى الشوهاء
ويستثير الشتاء في نزار قباني الرغبة بالبكاء:
إذا أتى الشتاء.. وحركت رياحه ستائري .. أحس يا صديقتي.. بحاجة إلى البكاء
ويعيش البردوني مع الشتاء أيضاً حالة شجن وقسوة:
البرد أبرد ما يكون.. والليل أسهد ما يكون
وأشذ من شبق الرصاص.. ومن غرابات المنون
إن رؤية الشاعر للأشياء، لا تخضع للمنطق، بل لشعوره المتفرد المتصادم مع منطق العادية في الأشياء والكون والكائنات، فابن رشيق القيرواني علَل تسمية الشاعر شاعراً، «لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره».
فالشاعر ينسلُ إلى قلب الكائنات والأشياء، ينصت لها ما لا ننصت، ويرى فيها ما لا نرى، وإلا لماذا يبهرنا بحس الدهشة في كل مرة نقرأ نصاً عظيماً؟
يبدو أن ثمة نبعاً واحداً تصدر منه هذه الرؤى، حيث ينظر الشعراء إلى الشتاء بوصفه النهايات. إذ تبدأ السنة من الربيع فصلاً فتياً جميلاً، ثم تدور حتى تنتهي إلى الشتاء فصلاً جافاً مكفهراً، فيرون ما فيه من قسوة في الطقس وجفاف وقيود، ويتجسَد لهم شيخاً كهلاً منطفئاً.
فالشتاء يشكل في أذهانهم مرحلة الشيخوخة في السنة، مرحلة النهايات، مرحلة الضعف والكبر، وانتظار الفناء، لتبدأ سنة أخرى جديدة، مايستفز الشاعر للتعبير الدرامي عنه.
فها هي نازك الملائكة تجعل شمس الشتاء مصدراً للحياة، فهذه الشمس إذ تبث الدفء والضوء في الكائنات، تقف مقابل الموت في الشتاء:
أذيبي بها قطرات الجليد ... عن العشب عن زهرة لاتريد .. فراق الحياة
فما زال فيها رحيق تخبئه للصباح
وتتجسد نبوءة الشتاء، في إحساس الشاعر بقرب موته:
ينبئني شتاء هذا العام أنني أموت وحدي
ذات شتاء مثله ذات شتاء
وها هو محمود درويش، يتابع تحولات الشتاء، حتى يعلنها صراحة: إن الشتاء نهايات متماهية مع نهايات الإنسان:
لم يكن في الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر
كان البدايةَ، كان الرجاءَ. فماذا
سأفعل، والعمر يسقط كالشَّعْر، 
ماذا سأفعل هذا الشتاء؟!
وهكذا نرى للشعر رؤيته المختلفة كعادته، يدهشنا، ويبثُ التفكير في أذهاننا فنقف متاملين، مفكرين.
د.دوش بنت فلاح الدوسري
أستاذ الأدب والنقد المشارك - جامعة الأميرة نورة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق