الاثنين، 25 يونيو 2018

شغف المعرفة.. هو الحل



شغف المعرفة.. هو الحل

شغف المعرفة.. هو الحل

2018/01/04
    أصيب الأديب المصري المعروف مصطفى صادق الرافعي بالصمم في صباه، فترك مقاعد الدراسة، لكن شغف المعرفة جعله يعكف على مكتبة أبيه، ليقرأ ويقرأ، حتى كان الرافعي هذا الاسم الكبير.
ويذكر برتراند راسل الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني، أنه أراد الانتحار في مراهقته، غير أنه أحجم عن المحاولة، حين تذكَر أن ثمة ما يريد إكمال بحثه في شغفه المعرفي (الرياضيات).
لقد تحوَلت حياة الرافعي تحوُلاً هائلاً، حين عكف تلك الساعات الطوال في القراءة لتنمو شخصيته الإنسانية والعلمية، وأنقذ الشغف حياة راسل، حين تذكر أن لديه اهتماماً معرفياً في هذه الحياة.
السرُ يكمن في وجود هذا الشغف الذي يدل في اللغة على درجة عالية من درجات الحب، حين يتعمق في أقصى نقطة في القلب.
هذا الحب العميق للمعرفة هو الذي سيصنع المتعة والصبر والمثابرة والاستمرارية، ويعين صاحبها على التوثب والنهوض في كل مرة يقع فيها، وسوف يغذِيه بالعمق وسعة الأفق. فحين يؤمن بوجود رسالة في حياته، سيمنحه هذا قيمة ذاتية، ويشحنه بالقوة والطاقة والإيجابية، ويساعده على النهوض بنفسه ومن ثم بمجتمعه.
ولو فكرنا في إشكالات كثيرة في حياتنا، لتأكدنا أن حلها يكمن في وجود شغف معرفي.... وجود الفراغ في الإجازات الطويلة لدى الشباب والإشكالات التي تنشأ عنها، سببها الأساسي عدم وجود شغف معرفي لدى الشاب يشغله ويدفعه للانكفاء عليه، بوصفه رسالة في حياته.
الانشغال بتفاهات الحياة ومتابعة التافهين عند المراهقين، سببه الأساسي عدم وجود شغف معرفي يدفع المراهق للتفكير بعمق أمام هذه الاهتمامات، فهذا الفراغ المعرفي في عقله، يجعله مخزناً فارغاً.
كره الطلبة للمدرسة، وتهربهم منها، وولعهم بالغياب، من أسبابه انعدام الشغف المعرفي.
الضعف الذي نراه في بعض رسائل الدراسات العليا، والتكوين العلمي والشخصي الضعيف لبعض طلبة الدراسات العليا سببه الأساسي عدم وجود شغف معرفي يبني الشخصية العلمية، ويبني روح المتعلم.
كل هذا يستدعي من المربين من أساتذة في التعليم العام والتعليم العالي، ومن الآباء والأمهات، أن يتلمسوا شغف تلاميذهم وأبنائهم من البدايات، وأن يساعدوهم على اكتشافه وتنميته، بل بنائه من جديد إن لم يكن موجوداً.
ومن المهم أن تتطور وسائل وأساليب التدريس، بحيث تتناسب مع عقليات أبناء هذا الجيل، وتساعدهم على حب المعرفة والتعلق بها.
وعلى الإنسان نفسه، بمجرد تجاوزه مرحلة الطفولة، تعهد ذاته بالقراءة والتسلح بالمعرفة، والبحث عن اهتماماته وميوله وتنميتها. على الإنسان ألا ينتظر من يأخذ بيده، فكل العظماء الذين قرأنا عنهم، انطلقت حياتهم بالتأمل الذاتي العميق.
إننا نعيش حياة واحدة.. وبئس الحياة التي سنخرج منها فارغين بدون أثر، وبدون رسالة، وبدون رؤية..
ولن يتحقق لنا هذا إلا حين تتحول المعرفة إلى شغف، نبحث عنها بحب ومتعة، ونعمل على ضوئها لأنفسنا ومجتمعاتنا بحب ومتعة.
د. دوش بنت فلاح الدوسري
أستاذ الأدب والنقد المشارك - جامعة الأميرة نورة

للشتاء.. تلويحة شعريَة


للشتاء.. تلويحة شعريَة

للشتاء.. تلويحة شعريَة

2018/02/15
    على حين يجد كثيرٌ من الناس في الشتاء جمالاً استثنائياً، مأخوذين ببرودته التي تخالف ما تعودوا عليه من حر لاهب، وما يصاحبه من أجواء فاتنة، حيث ليالي السمر حول ضوء النار ودفئها.
فإن للشعر العربي المعاصر رؤية أخرى، فمن خلال استقراء لبعض الدواوين الشعرية، وجدتُ أن العلاقة بين الشعراء والشتاء ليست على مايرام. فهم يصورونه في صورة قاتمة كئيبة.
يرى أحمد عبد المعطي حجازي - مثلاً- أن فراغ قلب الإنسان من الحب، يعني سيطرة الشتاء على أزمان قلبه:
ياويله من لم يحب! كل الزمان حول قلبه شتاء
فهو هنا يعلن بكل وضوح أن الشتاء جفاف وألم ووحدة، مقابل الدفء المرتبط بالحب. ويرى فاروق شوشة في الشتاء معادلاً موضوعياً لعذابات العمر الحزين، وربما استمدُ هذه الرؤية من طول لياليه:
يأتينا اليوم على استحياء.. أطول من كل عذابات العمر المحزون
أثقل من عبء التذكار ومن قاع الذكرى الشوهاء
ويستثير الشتاء في نزار قباني الرغبة بالبكاء:
إذا أتى الشتاء.. وحركت رياحه ستائري .. أحس يا صديقتي.. بحاجة إلى البكاء
ويعيش البردوني مع الشتاء أيضاً حالة شجن وقسوة:
البرد أبرد ما يكون.. والليل أسهد ما يكون
وأشذ من شبق الرصاص.. ومن غرابات المنون
إن رؤية الشاعر للأشياء، لا تخضع للمنطق، بل لشعوره المتفرد المتصادم مع منطق العادية في الأشياء والكون والكائنات، فابن رشيق القيرواني علَل تسمية الشاعر شاعراً، «لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره».
فالشاعر ينسلُ إلى قلب الكائنات والأشياء، ينصت لها ما لا ننصت، ويرى فيها ما لا نرى، وإلا لماذا يبهرنا بحس الدهشة في كل مرة نقرأ نصاً عظيماً؟
يبدو أن ثمة نبعاً واحداً تصدر منه هذه الرؤى، حيث ينظر الشعراء إلى الشتاء بوصفه النهايات. إذ تبدأ السنة من الربيع فصلاً فتياً جميلاً، ثم تدور حتى تنتهي إلى الشتاء فصلاً جافاً مكفهراً، فيرون ما فيه من قسوة في الطقس وجفاف وقيود، ويتجسَد لهم شيخاً كهلاً منطفئاً.
فالشتاء يشكل في أذهانهم مرحلة الشيخوخة في السنة، مرحلة النهايات، مرحلة الضعف والكبر، وانتظار الفناء، لتبدأ سنة أخرى جديدة، مايستفز الشاعر للتعبير الدرامي عنه.
فها هي نازك الملائكة تجعل شمس الشتاء مصدراً للحياة، فهذه الشمس إذ تبث الدفء والضوء في الكائنات، تقف مقابل الموت في الشتاء:
أذيبي بها قطرات الجليد ... عن العشب عن زهرة لاتريد .. فراق الحياة
فما زال فيها رحيق تخبئه للصباح
وتتجسد نبوءة الشتاء، في إحساس الشاعر بقرب موته:
ينبئني شتاء هذا العام أنني أموت وحدي
ذات شتاء مثله ذات شتاء
وها هو محمود درويش، يتابع تحولات الشتاء، حتى يعلنها صراحة: إن الشتاء نهايات متماهية مع نهايات الإنسان:
لم يكن في الشتاء بكاء يدلُّ على آخر العمر
كان البدايةَ، كان الرجاءَ. فماذا
سأفعل، والعمر يسقط كالشَّعْر، 
ماذا سأفعل هذا الشتاء؟!
وهكذا نرى للشعر رؤيته المختلفة كعادته، يدهشنا، ويبثُ التفكير في أذهاننا فنقف متاملين، مفكرين.
د.دوش بنت فلاح الدوسري
أستاذ الأدب والنقد المشارك - جامعة الأميرة نورة

الجمعة، 22 يونيو 2018

ثلاثية غرناطة.. الرواية، النهر.. والحديقة الخلفية للتاريخ.


http://www.arabicmagazine.com/arabic/articleDetails.aspx?Id=5498




تكتب رضوى عاشور في روايتها (ثلاثية غرناطة) مأساة الأندلس، وتغدو غرناطة المكان البطل في الرواية، تلك المدينة الأندلسية التي كان سقوطها نهاية حكم المسلمين في الأندلس.
واختيار المدينة هنا له دلالاته العميقة فعدا أن غرناطة كانت لها هذه الأهمية سياسياً وعسكرياً، فقد كانت أيضاً مدينة العلم والمعرفة والعمران، وكل هذه الدلالات تآزرت في صنع حبكة الرواية.
إن هذه الرواية لهي من أفضل الأمثلة على الرواية النهر في الأدب المعاصر، حيث نرى رواية الأجيال التي تتألف من ثلاثة أجزاء:1 -غرناطة     2 -مريمة    3 -الرحيل. حيث تمثل أسرة ممتدة تبدأ بالشيخ الجد (أبو جعفر)، ثم تتحدث عن أحفاده وفروع هذه الأسرة.
تحكي الرواية الظروف المأساوية التي عاشها المسلمون والعرب آنذاك، حيث محاربتهم في رزقهم، ومحاصرة هوياتهم، وإجبارهم على التنازل عنها، وملاحقتهم في طقوسهم وعاداتهم وحتى في نشر الكتب والقراءة والثقافة، حين كانت أوروبا غارقة في ظلام الجهل، قبل أن تنتبه إلى كنوز الأندلس العلمية والفنية وتبدأ بالحفاظ عليها وتخليدها.
فالتاريخ يذكر أن الإسبان خانوا المعاهدة التي كانت بينهم وبين أبي محمد الصغير، وبموجبها تم التنازل عن غرناطة، حيث أجبر المسلمون على ترك دينهم وألزموا بالتنصر، وحرمت اللغة العربية وقراءة القرآن والاغتسال، ومنع اللباس العربي، وأنشئت محاكم التفتيش التي تلاحق المسلمين على هوياتهم بشكل مهين.
إننا في هذه الرواية نقرأ الحديقة الخلفية للتاريخ، فالرواية رغم عظمة موضوعها، وما يستلزمه من استدعاء شخصيات تاريخية بطولية ممتازة، كالخلفاء والأمراء والقواد، إلا أنها لم تجعل هذه الشخصيات شخصياتها الرئيسة.
لقد التفتت الكاتبة إلى الحديقة الخلفية للتاريخ، والأماكن التي لم يذكرها التاريخ، والأحداث الصغيرة التي أهملها التاريخ، وتفاصيل الحياة اليومية، والشخصيات العادية في الأندلس، الشخصيات المهمشة، وجسدت مشاعر الإنسان الأندلسي البسيط: شعوره بالحزن والاغتراب، الضياع والقلق، الحنين للوطن، وأرتنا التفاصيل الصغيرة للإنسان الأندلسي: حياة الأسرة العادية، اللباس والمأكولات والشراب، وتفاصيل الطقوس الأندلسية في المواسم الدينية والأعراس والاحتفالات..
فها نحن نقرأ القلق الذي يسيطر على الناس بعد سقوط غرناطة وترقبهم للآتي: «كان أبو جعفر وهو يخطو في عقده السابع يزداد صمتاً. صمت كثيف يحجب عن عيون أقرب الناس إليه إعصاراً داخلياً. لا ينام أو ينام ساعة أو بعض ساعة. ثم يقعد حتى إذا انفصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود، خرج من البيت...».
كما نرى كيف كان موت أبي جعفر الإنسان العادي الذي كان يقدر العلم والثقافة، حيث يعمل في تغليف الكتب وحمايتها من التلف، إذ يموت لأنه رأى منظر إحراق الكتب: «كان بعض العسكر قد تفرقوا بين الكتب وراحوا يوقدون النار فيها، ثم ينسحبون ركضاً لتلافي اللهب الذي أخذ يمتد أفقياً ويعلو ويتصاعد». يموت أبو جعفر بحسرته أمام هذا المنظر :»كانت ساقاه واهنتين بالكاد تحملانه وكأنه يحمل جذع شجرة ثقيلة لا طاقة لإنسان على حملها. يصعد ثم يتوقف ثم يعود يصعد. تعثرت قدماه وسقط على وجهه...».
كما نشاهد الحسرة والحزن على الشخصيات البسيطة، حين لا تتمكن من ممارسة شعائرها الدينية، حيث اضطر حفيد أم جعفر بعد موتها إلى ممارسة شعائر النصارى: «قامت النساء بما أوصى به حسن، وكن يبكين بصوت واهن ويسكبن الماء الدافئ على الجسد المسجى بلا حراك، وعندما أحضرت مريمة الثوب المطرز واقتربت من الجثمان مالت أم حسن على رأس أم جعفر المبلل بالماء وهمست:
- لا نظن عليك بالكفن.. والله لا نظن!
وعلا نشيجها وانتحبت مريمة، ثم صار النشيج عويلاً ولم ينقطع حتى عندما جاء القس وتمتم بصلواته.. كانت أم حسن ومريمة ونساء الحي يقمن بإعداد الطعام للمعزين وهن يبكين على أم جعفر وعلى الزمن الذي راح حاملاً معه حق العباد في الكفن وصلاة الجنازة».
وتطلعنا الرواية على عذابات المثقفين، حين حوكمت سليمة العالمة القارئة بتهمة السحر: «كانت سليمة تجتهد في تحمل مشقة السير على قدمين متورمتين ملتهبتين من جراء التعذيب، وتحاول أن تتحاشى احتكاك يديها المقيدتين من الرسغ خلف الظهر، بعضهما ببعض أو بثوبها. كانت يداها مازالتا تؤلمان من أثر القبض على قضيب الحديد المحمي».
ونلمس التفاصيل الصغيرة التي تتجسد في صندوق جدة علي (مريمة)، حين يهمان بالرحيل، حيث ألم الذكريات: «رفع علي غطاء الصندوق ففاحت منه رائحة زهر  الخزامى، وكان بداخله مصحف أخضر الغلاف، وقنينة بها سائل رقراق كالماء، وحجر وردي، وجلالات مخملية، وأوراق مطوية».
ونسمع أنين المهجرين من غرناطة الذي استحال إلى مواويل حزينة: «ارتفع صوت امرأة بمطلع موَال. خيم الصمت على السامعين توجساً، ولكن الحراس لم يفعلوا شيئاً، تشجعت أخريات وعلت في الفضاء أصوات مفردة يكمل بعضها بعضاً وتتجاوب بمواويل شاكية، ثم سرت عدوى الغناء فصار جماعياً، ولما صار جماعياً تبدل الإيقاع والنغم. صفقوا وتمايلوا وهم في أماكنهم جالسين، وواصلوا الغناء حتى هدهم التعب وناموا». هنا الشخصية الأندلسية المحبة للشعر والغناء، في مفارقة موجعة، إذ تغني في ظروف بالغة الأسى.
ولم تنغمس الرواية في تفاصيل الوجع الأندلسي فقط، بل كان بين الحين والحين ثمة نوافذ تطل على تفاصيل الحياة في الأندلس، وهو وجه آخر للحديقة الخلفية للتاريخ.
فنشهد طقوس الأعراس في زواج سليمة: «وقبل العرس بيومين تحركت ثلاث عربات تجرها البغال.. قاصدة حمام الهنا.. وبجوار النسوة صفت السلال والمناديل المصرورة على المناشف النظيفة والغيارات وأكياس التفريك واللوف والطاسات المكية والصابون وأوان وقوارير أودعت فيها النساء حاجاتهن من الحناء والمسك وزيت اللوز وزيت الزيتون».
ونمشي في أسواق الأندلس: «واصل السير في أزقة القيصرية.. يتطلع إلى مقاطع الرجال وأثواب النساء والمناديل والقلانس والنعال والسبابيط. غادر القيصرية وعاد إلى باحة المسجد الأعظم وظل يمشي حتى وصل إلى باعة المأكولات والحلوى والتين المجفف والجوز واللوز مكدسة في سلال كبيرة...».
ونتذوق تفاصيل الأطعمة الأندلسية: «ولم يفت الجارات إحضار الطبلة والدف ولا إعلان المحبة بصنع فطائر شهية محلاة بالعسل ومحشوة بالجبن والينسون أو بالجوز المطحون، ولا فاتهن حمل شراب الفاكهة اللاتي ركزنه وحلينه وعبأنه في القناني...»
كما نقرأ حكايات الحب الصغيرة: «لقد وقعت في حب الصبية.
-أية صبية؟
-الصبية التي كانت في الموكب ذات الرداء الأبيض...».
إن القارئ لهذه الرواية يطل على الجانب المنسي من التاريخ، ويرى الأناس المنسيين ضحايا الحروب، الذين لم يكن لهم رأي ولا يد في إشعالها ولا في امتدادها، يقرأ عذاباتهم، ويسمع أنينهم.
يقرأ انطباع الإنسان العادي الذي يستيقظ فجأة وقد بيع وطنه، وتوارت هويته، ومسحت لغته، وتغيرت معالم المكان الذي شهد طفولته.
إن هذه الرواية تطلعنا على الجانب الآخر الذي أهمله التاريخ، في خضم روايته للأحداث الكبار، وتخليده لقادة الحروب وزعمائها من الطرفين.
وهذا هو دور الفن الحقيقي، حين يستلهم التاريخ، حيث يضفي الأديب على التاريخ من خياله وعواطفه، وقراءته الخاصة للتاريخ، وتعاطفه مع موضوع الفن الأساسي (الإنسان).
إن هذه الرواية تفتح النوافذ المغلقة، وتطلعنا على الحديقة الخلفية للتاريخ.

الأربعاء، 20 يونيو 2018

أدونيس: رائد الثورة، ينكص عن ثورة شعبه

لعلي لا أغالي حين أقول :إن الشاعر السوري أدونيس (علي أحمد سعيد) هو رائد الثورة في الشعر العربي المعاصر، إذ تبرز كثيراً في كتاباته، ما يجعلها تشكل ظاهرة واضحة في شخصيته الفكرية والأدبية والنقدية.

وهو لا يقصر الثورة على القيم الأدبية فقط، بل إنه يريد ثورة عارمة شاملة لا تستثني شيئاً، حتى الدين وثوابته وتعاليم الشريعة. يقول: «إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج إليها الجمهور العربي ليست تلك التي تسليه أو تقدم له مادة استهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الجارية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة؛ أي تصدمه، تخرجه من سباته، تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته، العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها، بجميع مظاهرها ومؤسساتها، وذلك من أجل تهديمها كلها، أي من أجل خلق الإنسان العربي الجديد» زمن الشعر 567 .

والثورة عنده ثورة سرمدية مستمرة لا هدف لها سوى الثورة: «الشاعر ثائر بالطبيعة؛ فليس شاعراً من ليس ثائراً، لا الثورة النظام التي تأسر الواقع وتحكمه، بل الثورة الرؤيا التي تحرك الواقع وتغيره، ثم تعود فتحرك ما حركته، وتغير ما غيرته أبدياً، بحيث يصبح الشعر عملاً آخر والعمل شعراً آخر» مجلة الآداب ع 7-8 ص 12

وحين نأتي إلى اختيارات «أدونيس» التراثية، ونظرته للشعر العربي القديم، سنجد ما يتماهى وينسجم مع هذه النظرة الثائرة. إنه في تعامله مع التراث الشعري يركز على إبراز جانب التمرد والثورة فيه؛ وذلك في جانب الخروج الديني، والتمرد على التعاليم بصفته نموذج التحول والتمرد، لا الثبات والقبول. ومن هذا: حديثه عن تمرد أبي نواس، ويمثل هذا التمرد إصراره على الخطيئة «الخطيئة بالنسبة إليه في إطار الحياة التي كان يحياها، ضرورة كيانية؛ لأنها رمز الحرية، رمز التمرد والخلاص» مقدمة للشعر العربي ص 52

إن موضوعي هنا ليس مناقشة فكره الثائر،فقد سبق لي البحث والنشر والنقاش حوله كثيراً، وخصوصا فيما يتعلق بتجاوزاته العقدية.

وإنما أنا هنا لأسجل موقفاً متعجباً من تناقض هذا الفكر الثائر مع الواقع،حين عُرض هذا الفكر على المحك.فمن الغريب أن الثورة عندما خرجت من سوريا بلده،نكص عنها.وكان من البديهي بناء على رؤاه حول التمرد والثورة والخروج أن يدافع عنها، أو على الأقل أن يسجل حولها موقفاً إيجابياً. أليس هو الداعي لثورة شاملة لا تستثني شيئاً،أم أنه يرى أن السوريين يحيون في يوتوبيا استثنائية لا يجوز الخروج عليها!! فقد تناقلت مواقع الإنترنت تصريح أدونيس بأنه يرفض الثورة السورية لأنها تخرج من الجامع!(ولنلحظ هنا الأدلجة في التعامل مع الثورة). وقد تأخر في نقد النظام السوري ودعوته الأسد للتنحي..وتم هذا بأسلوب ناعم لا يتفق مع ما عرف به أدونيس من حدة ثورية، ولا يتفق مع ما نراه من الأوضاع الإنسانية في سوريا وتفاقمها من مآس تعاطف معها القاصي والداني من عرب وغرب، من مسلمين وكفار، في شكل لا يقبل التأخير ولا التأويل حتى. وقد قوبل رأيه حول الثورة السورية بهجوم كبير من الأدباء والمثقفين السوريين ، كما جاء هذا في تحقيق صحفي على موقع العربية نت. حيث يوجه الروائي خالد خليفة السؤال: هل على المتظاهرين أن يتجمعوا في دار الأوبرا؟ فمن المعروف أن الجوامع هي الأماكن الوحيدة في سوريا التي يمكن لأكثر من خمسين شخصاً التواجد فيها. ويرد الصحافي إياد عيسى بسخرية لا تخلو من منطقية ،إذ يقول: إن أدونيس لا يقف مع الثورة لأنه يؤمن بأنها يجب أن تبدأ في صالة الرقص الكلاسيكي وأن تُستوحى من أشعاره النخبوية، التي لا يفهمها غيره، لكن هذه الثورة هي ثورة شعب. وفي محاولة لستر سقوطه المريع إزاء جرائم النظام السوري ونكوصه عن ثورة شعبه يقول أدونيس في مثالية زائفة: إنه يرفض الاستعانة بقوى أجنبية خارجية لمساعدة السوريين. كما جاء في مقابلة مع مجلة بروفايل النمساوية :»كيف يمكن بناء أسس دولة بمساعدة نفس الأشخاص الذي استعمروا هذا البلد؟» وهو يشير هنا إلى الاحتلال الفرنسي لسوريا.علماً أنه يقيم ويعيش في فرنسا،بل ويحمل الجنسية الفرنسية! ويقول في تبرير آخر واه:إن عمل الشاعر يختلف عن عمل الثائر.

ليس هذا وقت التنظير يا أدونيس.

إن ما يحصل في سوريا ، يجعلنا نقفز فوق الحواجز كلها، ونزلزل كل المفاهيم الثقافية والأدبية حول المثقف ودوره،وكيف يمثل هذا الدور! وكيف يتشكل دور المبدع الواعي شعرياً!

ولا وقت للخلاف هنا حتى لتلك القضية الأزلية: هل الفن للحياة أم الفن للفن!

هو الفن هنا للحياة، للوجع، للألم، للمآسي، للفواجع التي عايشناها وشاهدناها، لأن نقول: لا للظلم، لا للقتل، هي الثورة الإبداعية الحقيقية هنا، بل هي أضعف الإيمان.

إننا إزاء فواجع تجعلنا نرمي كل أوراقنا ونتحد بإخوتنا في الدين ثم نستشعر الإنسانية التي رباها الإسلام في أرواحنا، الذي يرفض الظلم، فما بالنا بالوحشية والهمجية!

لا وقت للتنظير يا أدونيس، ولا مساحة للتبرير، ولا حواجز تعيق ما نراه من تناقضات لا يبررها إلا طائفية مقيتة.

فإذا عرفنا أن أدونيس كان من مؤيدي الثورة الخمينية (ج الشرق الأوسط ع 12065) وأنه نصيري الأصل،ربما يجعلنا هذا نطرح الأسئلة في فضاء أكثر بياضاً.،ثم نتلقى إجاباتها الحقيقية.

الشعر بين العرش والهامش.. بين المتنبي ومحمود درويش

يظل المتنبي حاضراً في الذاكرة، إذ نتحدث عن عرش الشعر، وعن إمبراطوريته، وعن إحساس الشاعر بقيمته الإبداعية، مبالغاً في وصفها واستحضارها. وخصوصاً في هذا النص مشهور المطلع:

واحرّ قلباه ممن قلبه شبمُ...

إذ يزخر بمفردات ضمن المكوّن الإبداعي، في إطار هوية شعرية بارزة الحضور حدّ النرجسية:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي من به صممُ

أنام ملء جفوني عن شواردها

ويسهر الخلق جراها ويختصمُ

ولم يقتصر هذا الإحساس الطاغي على نصه هنا فقط، فله من اللفتات الأخرى الكثير.

كما في هذا البيت الذي يؤكد شعوره بأنه يقود الدهر بحروفه وعزفه وغنائه:

وما الدهر إلا من رواة قصائدي

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا

ويتوحّد المتنبي بصوته فقط، إلى درجة أن تغدو كالأصوات صدى لما يقوله هو:

ودع كل صوت غير صوتي فإنني

أنا الصائح المحكي والآخر الصدى

وأكثر من هذا، حيث أورده ذاك الغرور والنرجسية الشعرية المهالك، فقد أراد المتنبي الفرار من المعركة مع خصومه، إلا أن غلامه ذكّره ببيته الذي يقول فيه:

الخيل والليل والبيداء تعرفني

والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فعاد وقتل.

فتضخُّم الأنا لديه لم يقتصر على الجانب الشعري فقط، بل تعدت ذلك أو ربما سبقته إلى ذاته الشخصية.

لقد اندغمت الذات الشخصية بالذات الإبداعية، حتى أصبح المتنبي نموذجاً مكرساً للنرجسية وتضخم الذات في كليهما.

هذا الإرث النفسي الضخم من شاعرنا العظيم، جعلني لا أتعاطف معه إنسانياً، أما على المستوى الإبداعي فهو حتماً ليس بحاجة لرأيي.

ولكني سأحاول هنا التعطف معه من جانب آخر، في تفسير هذا التضخم الشعري في ذلك النص تحديداً، وسأتكئ على إلماحات نفسية، لا أزعم أنها ترقى إلى تطبيق تقنيات المنهج النفسي بتفاصيله في هذه المقالة العاجلة.

فقد قال النص في أجواء متوترة بينه وبين أميره الأثير سيف الدولة، وقد دخل في الطريق بينهما بعض المتشاعرين الذين أصبحوا يحضرون مجلس سيف الدولة ويلمزون المتنبي ويتعرضون له.

فهو يقول موجهاً خطابه لسيف الدولة:

بأي لفظ تقول الشعر زعنفة

تجوز عندك لا عرب ولا عجمُ!

إننا إذاً، إزاء ردة فعل دفاعية عن هويته الشعرية المهددة، وهي كل ما يملك إذ لم يستطع تحقيق أهدافه من المناصب والإمارة.

ولهذا يتردد ضمير المتكلم هنا، هذا الضمير الذي يحضر كثيراً، حين يكون ثمة خطر يهدد هذه الهوية. فنجده يتردد عند المسلم إذ يدافع عن دينه، والبدوي إذ يفتخر ببداوته، والعربي إذ يتغنى بقوميته المهددة........

وهكذا نجد المتنبي هنا في مقام الدفاع عن هويته الشعرية، ولذلك يحضر ضمير المتكلم، منفصلا ًومتصلاً ومستتراً، مقترناً بكل مفردات المكون الإبداعي: أنا، أدبي، كلماتي، أنام، جفوني، قلت، قصائدي...

وإضافة إلى هذا فثمة ما يشير ويوحي في الأبيات إلى أن المتنبي يرتفع بالشعر عن المتلقي، ويبتعد به عنه، ولا يقربه إلى جواره، ليجعله غامضاً بعيداً، ليزيد في ألقه ربما.

وربما ليكرّس معاني عظمته هو، وجنونه في تأكيد ذلك في كل موضع، فثمة ما يشير إلى عزلته الإبداعية عن مجموع الناس، وإحساسه أنه مختلف عنهم.

هو الشعر إذاً في رؤى المتنبي.. عرش وإمبراطورية.. يسكنها وحده مملوءًا بالتفوق والعظمة.

وعلى الجانب الآخر يأتي شعر محمود درويش مستلباً:

يختارني الإيقاعُ، يَشْرَق بي

أنا رجع الكمان، ولست عازفهُ

أنا في حضرة الذكرى

صدى الأشياء تنطق بي

فأنطقُ...

ولنلحظ كيف جاءت ضمائر المتكلم سلبية في غير موقع الفاعلية: مفعولاً به، اسماً مجروراً: يختارني، يشرق بي.

ولنلحظ أيضاً الجناس الذي غاب أحد طرفيه بين كلمة يَشرق، وكلمة يُشرق التي يتوقعها المتلقي مرتبطة بكلمة الإيقاع واصفة بياض الشعر وبريقه وألقه، لكن أفق توقعه ينكسر حالما يرقب التشكيل البارز على هذه الكلمة (يَشرَق).

إن الحس الإنساني الذي يزخر به هذا النص (يختارني الإيقاع)، المبين عن تعاطف شاعره مع البؤساء، جعله يحمل هذه الرؤية الملتبسة للإبداع، فليس صوت الشاعر إلا رجع صوت شخوص حزينة:

كلما أصغيتُ للحجر استمعتُ إلى

هديل يمامة بيضاءَ

تشهق بي:

أخي! أنا أختك الصغرى،

فأذرف باسمها دمع الكلام

وتأتي إرهاصات محمود درويش الشاعر، في قصيدة (تنسى كأنك لم تكن)، ليستشعر ما سيكونه في غده مقصياً منسياً مهمشاً:

تُنسى كأنك لم تكن

شخصاً، ولا نصّا.. وتُنسى

...................

تنسى كأنك لم تكن

خبراً ولا أثراً... وتُنسى

وإذ يصر المتنبي على أن شعره الصوت وغيره الصدى، فإنّ محمود درويش يصر على أن شعره الصدى، وإذ يبدو المتنبي ملكاً في إمبراطوريته، يصر درويش على أن عرشه الهامش:

أنا ملك الصدى

لا عرش لي إلا الهوامش

ومع أنه يفسر في نهاية النص أن هذا النسيان لشخصيته الشعرية من قبل المبدعين هو حرية بشكل آو آخر، حرية من لغته ومن إرثه الشعري، إلا أن هذا لا ينفي بروز التشكل المضموني المتكرر الذي يعمد إلى تهميش شعره وإبداعه.

ففي نص آخر (لاعب النرد)، يقول:

لا دَوْرَ لي في القصيدة

غيرُ امتثالي لإيقاعها

إن هذا التبسيط لمهمة الشاعر في هذا المقطع لهو وجه من وجوه الامتزاج بالجموع، فهذا النص من أواخر نصوصه، وقد قاله في رام الله بين جمهوره. فكان من البدهي أن يقترب من جمهوره وهو يغني بينهم، ويزيل أي فكرة تجعلهم يظنونه مختلفاً عنهم، وقد حفل النص بصور كثيرة تبسط ذاته إلى درجة التسطيح، كأنه يريد أن يومئ إلى أنه بسيط بساطتهم، غير مفارق لهم:

أنا مثلكم

او أقل قليلا

إن هذه الرؤية نحو الشعر ونحو الشاعر تنسجم مع دور شاعر كان يحاوله محمود درويش: أن ينطق باسم الجموع في فلسطين والعرب عموماً.. أن ينطق مآسيهم، أن ينطق أصواتهم، أن يمثل قضاياهم.

وسواء اتفقنا معه في الرؤى أم اختلفنا، فإننا نتفق أنه كان يحمّل شعره قضية ورسالة جماهيرية.

ولذلك، لم يكن له أن ينزوي عن متلقيه أو أن يبتعد بشعره عنهم، أو أن يصور الإبداع كائناً ملكياً مفارقاً لهم، بل كان الموقف أن يمتزج معهم ويذوب بهم ويكون صوته صدى لأصواتهم.

وقد يكون هذا الضعف والانكسار في الأمة العربية، قد انسحب على نظرته لإبداعه، ربما لأنه لم يحقق من خلال حروفه ما يريده على المستوى العربي لبلاده، ولذلك أصبح يشعر أنه ملك الصدى وأن عرشه الهوامش.
http://www.al-jazirah.com/culture/2012/10052012/fadaat21.htm

قصة الشخصية قراءة في (مجموعة الهجرة السرية إلى الأشياء) للأديبة: سهام العبودي


http://www.al-jazirah.com/culture/2015/31102015/aoraq39.htm


أصدرت د. سهام العبودي مجموعتها القصصية (الهجرة السرية إلى الأشياء) التي تضم سبعة نصوص من القصة القصيرة، بعد مجموعتيها السابقتين: (خيط ضوء يستدق، ظل الفراغ) اللتين كان اهتمامهما غالباً بالقصة القصيرة جداً وخصوصاً في المجموعة الثانية.
(الهجرة السرية إلى الأشياء) مجموعة نصوص قصصية تتميز بالتفكير والتأمل العميقين، ومن ثم فهي تبحث عن متلق يسطيع التماهي مع عوالمها.
ونصوص هذه المجموعة في مجملها تهتم باستبطان الشخصيات، استبطان ذواتها واستبطان علاقاتها بالعالم المحيط بها، فالقصة فيها هي قصة الشخصية في المقام الأول. وهي في اختيارها لشخصياتها، تتعمد النماذج الغريبة غير المألوفة، ففي (الهجرة السرية إلى الأشياء) تقدّم شخصية إنسان دقيق حد القلق والوسوسة، ينفذ في عمق الأشياء المادية، ويستفزه أي خلل في تفاصيلها الصغيرة، كرؤيته خيطاً يتدلى من قطعة سجاد مثلاً، حيث يظل يعمل حتى يخلص الشيء المادي من هذا الخلل. وفي (ما تكتبه الظلمة. . ما يحجبه النور) تتسلّل القاصة إلى نفسية الأعمى، وكيفية توظيفه حواسه الأخرى بشكل مذهل. وفي (سطر الخلاص) تستبطن أعماق شخص يعيش الموت المعنوي بشكل متوتر متأزم قلق.. وهكذا..
ونصوصها تتخذ بعداً إنسانياً شاملاً،حيث لا نجد حضوراً للبيئة المحلية، باستثناء نصين فقط، فهي ترسم شخصياتها وتعبّر عن أفكارها بشكل إنساني مجرد، لا تحده بيئة ولا زمن، بل تتوارى فيه طبيعة الأنثى داخلها، فلا نجد الأنثى المأزومة كثيرة الشكوى والبكاء كما هو متعارف عليه في السرد النسوي، بل نجد رؤى إنسانية ناضجة متأملة مفكرة. وقد أثر استبطان الشخصيات على بناء النص وعلى طبيعة السرد وعلى اللغة: فهي حيث تجعل شخصياتها متأملة مفكرة، بصمت وخشوع، تقلص مساحة الحوار، وتبرز أسلوب الحوار الداخلي بين الشخصية وذاتها بديلاً عنه.
وهذا نفسه أوجد أهمية لأسلوب السرد الذاتي الذي سيطر على المجموعة، بهذه الشخصيات المنسلة إلى الداخل، المتأملة، المتأزمة مع العالم. وهذه الشخصيات المتأملة تستغرق في التفاصيل الصغيرة، ومن ثم كان الوصف الدقيق للمكان ومفرداته، والدخول في عمق الأشياء المادية وأنسنة الأشياء، وهذا الملمح مهم جداً، وشكل محوراً مهماً في المجموعة، كما يقول العنوان: (الهجرة السرية إلى الأشياء)، ولنتأمل هذه الصور:
«رأيت في منامي الشموع الأربع الباقية تبكي ضوءًا، كان الضوء ينهمر منها إلى الأسفل مثل الشلال». «كنت على يقين بأن السجادة تكره عدم استواء غرتيها».
ومن ثم، ونتيجة لهذا الغوص في عمق الذات والتأمل في علاقة الذات بالعالم، ظهرت الجمل المتأملة التي تأخذ طابع الحكم: «في كل حيازة فقد»، «الفلسفة هي حبال العاجزين».. ولكن، ومع هذا البعد الفكري المتأمل، لم تغب اللغة الشعرية، بل كانت لغة القاصة ذات بعد جمالي مؤثّر وظّفت فيه المجاز والصورة والرمز، يتبيّن هذا في العناوين المركبة، الخصبة بالصورة: «الهجرة السرية إلى الأشياء، ما تكتبه الظلمة.. ما يحجبه النور، سطر الخلاص، من يقرأ الشمس...».
فضلاً عن اللغة الشعرية المنبثة في أرجاء النصوص: «الضوء النابت من عتمتي، ذراعانا جديلة توحدنا في الممر، تنفي آلامك إلى مدائن الأشياء...».
وختاماً، نحن إزاء نصوص ناضجة وأدوات ناضجة، ودهشة ترتسم في أفق كل نص، في الرؤية والشخصية واللغة.
د. دوش بنت فلاح الدوسري - أستاذ الأدب والنقد المساعد -جامعة الاميرة نورة بنت عبد الرحمن – الرياض

رواية (فئران أمي حصة) لسعود السنعوسي : سؤال الهوية.. واستشراف الآتي




تتجسد فضاءات هذه الرواية في الكويت، ما بين زمنين: زمن ماض هو الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، وزمن مستقبل متخيل، ينتهي عام 2020م. وما بين هذين الزمنين تشتبك كل الأزمنة وبيئاتها وظروفها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. 
بطل الرواية هو تلك الشخصية المتسائلة المفكرة دوماً منذ طفولتها، التي تطرح الأسئلة على كل المستويات: الوجود والإِنسان والوطن والهوية والفكر والصراع والطائفية والمذهبية. 
«الجهل بالشيء نعمة في بعض الأحيان. والطفل في لهجتنا جاهل. ونحن الجهال كنا نعيش هذه النعمة، نعمة اللا أدري. كبرت قليلاً وانشغلت بأسئلة ممنوعة. ربما لم أكن في حاجة إلى إجابات لها بقدر ما كنت في حاجة إلى لفظ السؤال والتحرر منه». (ص 37) ولكن هذه التساؤلات كانت تقمع على كل صعيد: في البيت والمدرسة وربما الشارع أيضاً. هذا الطفل الذي كبر وشكل بطل الرواية الرئيس هو رمز للمثقف والفنان الذي يسأل حول كل شيء، يزعجه الواقع، ويوتره المستقبل. هذا الشغف بالسؤال وقلق التفكير، سيكون نتاجه لاريب في استشراف المستقبل الذي تجسد في الرواية، هذه الرواية التي تجسد وظيفة الفن الحقيقي: قراءة الحاضر واستشراف المستقبل. ولذا كانت رؤاها بين واقع حصل أو يحصل فعلاً، وبين مستقبل متخيل، لكنه غير منفصل عن الواقع. 
ولم تنفرد الرواية وحدها بقلق السؤال، بل يشرك الكاتب معها أوجه الفن الأخرى كالشعر والتمثيل، وكأنه يؤكد أن وجه الفن الحقيقي هو في قراءة الواقع واستشراف الآتي. 
ففي مقدمة الرواية مقولة لفؤادة (إحدى شخصيات مسلسل كويتي قديم)، تتنبأ فيها بالآتي: «أنا التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون!». (ص 8). 
وهذا ما تستشرفه الرواية في أفقها المستقبلي، مستقبل موجع للكويت بل للأفق العربي كله، حيث تغدو الكويت ساحة احتشاد وصراع طائفي ومذهبي وفكري وديني، ونار وإرهاب لا يبقي ولا يذر. هذا هو الطاعون الذي تنبأت به فؤادة، التي تحول اسمها لاسم جمعية انضم إليها أبطال الرواية. 
طاعون الحرب، طاعون الطائفية، طاعون المذهبية، هي نتاج الفئران التي تكاثرت بإهمال دون رقابة ولا متابعة ولا مراجعة: «الفئران لا تجرؤ على الاقتراب من قفص الدجاجات ما لم تكن إحدى بيضاتها مكسورة». (ص 54) 
في ضوء هذه الرمزية تنمو صور واقعية هي المرموز له في الحقيقة: صور كانت في الاحتشاد ضد الآخر من الجنسية ذاتها، حيث المناوشات الطائفية بين الجيران، التي قد يظن أنها مشاجرات بسيطة، وحيث التصنيفات التي نراها في التفاصيل الصَّغيرة بين سكان الحي الواحد، والتعيير بالمذهب، والانتماء. 
وحيث تدخلات الدولة المجاورة (إيران) التي أججت الطائفية وسعت بالفتنة بين شعوب الخليج: «الكويت كانت.. ما عادت.. قبل بعد.. منذ الثورة الإيرانية، ثم الحرب العراقية». هذه هي البيضات المكسورة التي دخلت منها الفئران، حيث تفجر الطاعون في المستقبل، الطاعون الذي لم يبق ولم يذر. 
على الصعيد الآخر نرى الأمر مغايراً عند بعض شخصيات الرواية من كبار السن، حيث التعايش بين الجارتين العجوزين حصة السنية وزينب الشيعية. وكأن الكاتب يوحي بأن سعة الأفق والقدرة على التعايش واحترام الآخر إنما هي جزء من تكوين الإِنسان الخليجي البسيط محدود التعليم والثقافة. وليس له علاقة بارتفاع مستوى الثقافة أو التعليم، هذا التدين الفطري النقي الذي يحترم إِنسانية الإِنسان وينتمي لوطنه ومواطنيه، هو الواقي على حد رؤية الكاتب. 
وتلفت الرواية بين حين وآخر إلى القضية التي كان ينبغي أن يلتف حولها العرب جميعاً (فلسطين) حيث ينساها الجميع، وتذكرها الجارة العجوز (حصة): « عندما كان اليهودي بتلقين من أمي حصة يعني إسرائيلياً. عندما كانت إسرائيل بتلقين جمعي عامل كره مشتركاً». (ص 19) إن هذا الموقف يوحي من خلاله الكاتب بأن القضية الأساسية قد غابت وغطى عليها قضايا الاحتراب الطائفي الذي تغدو الكويت مسرحاً له في مستقبل متخيل. لتنتهي الرواية في أجواء عنيفة للغاية يموت فيها بعض أبطال الرواية نتيجة لهذا الاحتراب وهذا الصراع: صراع الهوية وصراع الطائفية وصراع المذهبية. وتأتي خاتمة الرواية متجسدة في مشهد عنيف، وسط ساحة الانفجارات والعنف، يركض بطل الرواية الذي تنتهي الرواية بدون أن نعرف اسمه، ومعه صديقه في تصوير بالغ التأثير :»أركض يسبقني أيوب. يركضون وراءنا تحرسهم الطيور السوداء تنشد نعيبها. يبطئ أيوب. يمسك بيدي. نركض سوياً. يصيح واحدنا بالآخر: اركض اركض اركض. 
يركض أركض تحت سماء أتمنى سقوطها. قطرات على وجهي تدفعني أرفع رأسي عالياً أرى بين غيوم متفرقة نجم سهيل يبزغ في البعيد، وشهاباً يقطع الأفق». تأتي قيمة الوصف هنا في أجواء معتمة قاتمة مليئة بالرمز الموحي : اللون الأسود بتداعياته السلبية القارة في الأذهان، وطائر البوم الذي هو نذير شؤم وخراب في الثقافة العربية منذ القدم. ومع ذلك نلحظ استشراف المستقبل الآخر في صورة نجم سهيل والشهاب الذي يقطع الأفق. ضوء قادم بالأجمل ربما يأتي في مساحة ضئيلة للغاية في رواية كبيرة الحجم يستغرق جل حجمها صور الدمار والخراب. 
إن هذه الرواية التي تسائل الهوية وتستشرف المستقبل لتضع أمام النقاد والمثقفين صورة جيل جديد شاب من الأدباء يفكر بصورة مغايرة، تستدعي الإصغاء لتشخيصهم الواقع ومتابعة هذا النتاج المهم، من منطلق وظيفة الإبداع ووظيفة النقد في الإسهام في معالجة مشاكل الواقع، والحفاظ على أمن المجتمعات ووحدتها الوطنية، فما تطرقه هذه الرواية أجراس إنذار بالغة الأهمية. 
د. دوش بنت فلاح الدوسري - أستاذ مشارك في الأدب والنقد - جامعة الأميرة نورة - الرياض